لكم مني سر دفنته في نفسي منذ “أيام القحط”. تلك الأيام الأولى التي تطأ فيها رجلاك أرض كندا، و التي كنت فيها، وأنا أتجول بدراجتي الهوائية، أختار المواقيت المحددة من مجلس المدينة لإخراج الأزبال (حاشاكم)، حتى أتصيد قطع نفيسة، إستغنت عنها رغم صلاحيتها ثقافة العطاء و السخاء. دولاب عتيق، أوان نحاسية، لوحة زيتية…

الأزبال في هذا البلد غير الأزبال، لمن اعتادت عينه، ولو كانت وحيدة، على قنص التحف الثمينة. و لعل المرآة الضخمة الباهية، المرصعة بالنحاس المنحوث، و التي تزين فناء بيتي المتواضع، لخير دليل على أن نوعية الأزبال في ثقافة السخاء تغنيك أحيانا عن أفخر المتاجر.

و لعل أحسن ما يستهل به في موضوع المقالة، طمعا في التشويق، مثل شعبي مفاده أنه “يموت الزمار (زعما الغياط)، و لا تزال أصابعه تترنح” . إذ، انجلت أيام القحط (نسبيا)، و بقيت أنا أرتاد محلات بيع الأشياء المستعملة، و التي و إن فاتتني تمرغت في ترابها !

المحلات من قبيل “قرية القيم” و “شينون” و “رونيسونس” و “سان جون دو بول”، محلات فريدة من نوعها شكلا، مضمونا و أهدافا. و لم يسبق لي أن وجدت مثلها في مدن و دول أخرى و إن كانت تنافس المدن و المقاطعات الكندية غنى و رفاهية.

المحلات إياها تقترح على زبنائها، من الملابس الداخلية إلى الموبيليا، مرورا بالكتب و الآجهزة الكهربائية و أدوات الطبخ (و هذه الأخيرة هي كل ما يهمني).
و أنا بوصفي “خبير استراتيجي” بأمور كل تلك المحلات، لأني ماشاء الله و اللهم لا حسد، أرتادها منذ عقدين، أعرف عنها كل شيء، بما في ذلك أسماء الشابات اللواتي تشتغلن بداخلها و اللواتي لا تفارق البسمة شفافهن (عسى ألا تطلع صاحبة المهابة و الجبروت على المقالة !).
لكني و إن عرفت كل شيء عن المحلات التي آعشقها، فاتني الأهم ! و أعني بالأهم هنا، الأساس في معايير اختيار العاملات… و قد تصدمون كما صدمت، إذا ما أتممتم المقالة !

إليكم “الأهم”… فتهيأوا للصدمة :

عشية يوم الخميس المنصرم، زرت محل من إياهم، على شارع “سان لوران”. الشارع الذي يعتمده كل المورياليون كالفيصل بين غرب المدينة و شرقها،
وأنا أتجول بين رفوف الجناح المخصص لأدوات و آليات الطبخ، متحينا “قطعة” ما أعود بها مظفرا إلى بيتي، ولأن ما من مصيبة على بعد أميال إلا و اجتذبتها، لاحظت بطرف العين المتبقية لذي، أن سيدة شقراء يناهز عمرها الخمسين حولا تبتسم في وجهي وأنا أضع يدي على إناء يشبه الطاجين المغربي في لونه الطيني، لولا أنه غريب الشكل بعض الشيء. صنفت الإناء، أنا الخبير الذي لا يشق لي غبار في المجال، و في الحين، على أنه إناء تقليدي برتغالي. وهو بالفعل كذلك. و سبحان من جعل الثقافات تتقارب إلى حد التشابه فيما بينها. لا سيما إذا تقاربت الجغرافيا و تعانق التاريخ.
لا حول ولا قوة إلا بالله ! تهت كعادتي، و نسيت السيدة الشقراء و ابتسامتها ! … عذرا !

السيدة إذن، كانت ترتدي الزي الذي يميز عاملات المحل و تحمل كل ملامح الحسناوات القوقازيات. فخمنت أنها روسية أو ما شاكل ذلك.
“بونجور سيدتي” قلت لها آخذا المبادرة في تكسير “الجليد”. “بونجور”، أجابت السيدة، بلكنة لا بالقبقوبية و لا بالأنگلوفينية. فاستطردت بغباء “هل تشتغلين في المحل ؟”، فعاودت : “أجل”. فقلت لها بكل ثقة في النفس : “ما سر ابتسامتك كلما وقع بصري عليك ؟”. قالت الحسناء : “لا.. لا شيء… سوى أني تذكرت نكتتك مع استيفان المرة الماضية “.
للمعلومة، استيفان هذا، هو الذكر الوحيد ضمن كل طاقم المحل المكون كليا من النساء. و استيفان مثلي واضح المعالم. شاب غاية في الطيبوبة و حسن الخلق. يضع نفسه في خدمة الجميع، زبناءا و شغيلات.
تأملت قليلا فيما جاء في كلام الحسناء، ثم عدت لمسائلتها : “عذرا سيدتي، …ولكني لم أرتد المحل منذ شهرين على الأقل… ثم أني لم أرك هنا من قبل… و إلا لجزمت أني، لست بالأعور فحسب، بل الأعمى كذلك …”.
“أعرف أنك لم ترتد المحل منذ مدة”، أردفت السيدة مبتسمة. “ولكني لازلت أتذكر النكتة إياها… كانت حقا مضحكة… على فكرة… أنا إسمي گراسوفسكا”. ثم مدت يدها الناعمة لتصافحني.
“تشرفت بمعرفتك، سيدة گراسوفسكا”، قلت لها بكل ما يليق بسيدة في سنها و حسنها من أدب و لياقة. “و من أي البلدان السعيدة أصلك، سيدتي ؟ “، استطردت متلهفا لأعرف إن كنت قد أصبت التخمين في أصلها أم لا.
“أنا من روسيا الإتحادية… من قرية لا تبعد كثيرا عن العاصمة”، قالت گراسوفسكا مجيبة بما جعلني “أحترم” الشقيقة روسيا و اتحادها العتيد، و أتضامن مع بوتين و أحب أبنائه (إن كان له أبناء)، و أفكر في الوقت ذاته في ثمن تذاكر مونديال كرة القدم المقام بالبلد الذي صرت أعشقه… لا لشيء، حتى لا تسيؤوا الفهم، إلا لأني أصبت التخمين كعادتي فيما يخص التعرف على أصول و عرقيات الأناس الذين أصادفهم، وذلك من خلال ملامح وجوههم فقط. لأني و ببساطة شديدة، كنت في حياة سالفة، إبان الحرب الباردة، ضابط مخابرات !

و حتى لا أضيع على نفسي فرصة التعرف بشكل أعمق على سيدة الحسن و الجمال، عزمت على الإغارة : “عفوا گراسوفكا، حدثيني قليلا عن نفسك. فأنا صحفي يدفعه فضول المهنة إلى الإطلاع على أحوال الناس و تجاربهم في الحياة…. بلا بلا بلا” (شوفو التبرقيل !). فأجابت گراسوفسكا مبتسمة : ” أنا أشتغل هنا مند عام تقريبا. و سأضل هنا إلى أن تنتهي مدتي “.
“مدتك !…أي مدة ؟ “، قلت لها مستغربا. فجاوبت بكل هدوء و طمأنينة : ” أنا أستوفي هنا مدة سجني، مستفيدة من الصراح المؤقت المقيض بشروط… إذن يمكنك اعتباري سجينة…”، ثم استطردت : ” أظنك تريد معرفة السبب ؟… أعني سبب سجني… أليس كذلك ؟ “. لم تنتظر گراسوفسكا حتى أتظاهر باللامبالاة الغير في محلها، خاصة إذا ما عرف هول “السبب”، لتضيف قائلة : ” أنا… كنت… أنا… طعنت زوجي بسكين… في لحظة غضب…” !!!!!
ألم أقل لكم أن الكوارث تعشقني !؟

استكانت گراسوفسكا بينما كنت، أنا، أفكر في الوقت الذي يتطلبه وصول بوليس النجدة و سيارات الإسعاف إلى “مكان الجريمة”، فيما إذا اعتبرت الحسناء، لا قدر الله، أني قد أغضبتها في شيء… بأسئلتي مثلا، بقسماتي وجهي أو حتى بطريقة تنفسي !
يا إلاهي… حتى الهرب لا أستطيعه بعكازي هذا !

” لقد كنت محظوظة…”، استطردت المصيبة المنهالة على رأسي. ” حوكمت بسبع سنوات سجنا فقط… لأن القاضى اعتبر أن جريمة القتل كانت غير متعمدة…”. هكذا، و بكل سكينة و أريحية، أضافت الروسية التي جعلتني أعيد النظر في مسألة تشجيع الفريق الوطني المغربي بمونديال روسيا. ألا لعنة الله على كرة القدم، و على روسيا و اتحادها، و قاتل الله رئيسها، و كفانا المولى شرور قومها، يا رب، يا مجيب الدعوات ! تكبيييير !

و أنا أفكر في مخرج لي من مصيبة شلت أطرافي، حطت على كتفي يد، يا إلاهي، ما أرحمها !
إلتفتت خلفي لأجد استيفان “المثلي” الذي أنقذني لفوره، قائلا : ” أهلا صديقي. كيف حالك ؟”. و أنا ألملم الكلمات لأجيبه. أضاف المثلي متوجها إلى گراسوفسكا، و بكل صرامة : ” ماذا تفعلين هنا گراسوفسكا !؟… هيا من فضلك، إلتحقي بمكان عملك ! “.
يا إلاهي، حتى جناح المطبخ، الذي يعج عجا بالسكاكين و السواطير، لم يكن بكان عملها. و لم يكن يحق لها حتى التواجد به !… إذن، كنت مستهدفا !!!!
أنا عن نفسي، كدت أعانق استيفان المثلي، لولا “الملامة” !

نزلت السلم، بالكاد زاحفا، في اتجاه باب المحل، تاركا الطاجين البرطقيزي (نيت البرطقيز الله يخليها سلعة !)، لأجد نفسي أردد دون أن أشعر : “هكذا يكون الحزم و العزم و الصرامة، و هكذا يكون المثليون الصناديد، و إلا فلا !”
سير يا استيفان، الله يعفو عليك و يفتح البيبان فوجهك، دنيا و آخرة، يا ربي يا كريم ! و هذا دعاء المريض، قيل أنه مستجاب !
الحمد لله، القضية خرجت طريفة !

هذا، و لأن معرفة الأشياء خير من جهلها، فالمحلات من هذا القبيل، و إن لم تكن كلها، تستخدم الأشخاص ذوي الحاجيات الخاصة، و المختلين نفسيا و المعاقين ذهنيا، و حتى أصحاب السوابق ممن يتعذر عليهم وجود عمل. و ذلك قصد إدماجهم أو إعادة إدماجهم في النسيج المجتمعي.
فتحية لكل المنظمات من هذا القبيل، و التي تعمل بلا كلل على إسعاد أناس هم في أمس الحاجة للعمل و أشدها للإدماج و الإندماج.

ما يستفاد من تجربتي هته، أنه ” ليس كل ما يلمع، ذهب”. و أنه و إن لم تكن كل السجينات جميلات، على عكس عنوان المقالة، فجل الجميلات أسيرات !
لذلك ترى معدل التعاسة أهون عند الأخريات منه عند الحسنوات !
مسألة خبرة، يعني…. !

دمتن حسنوات سيداتي… و اتقوا الله في أزواجكن. و إن طعنتم، فلتكن الطعنة بالتي هي أجمل : ركلة أو لكمة، على الأكثر، تعيد الزوج العاق و المشاكس إلى جادته !

دمتن و دمتم في رعاية الله و إلا مقالة مقبلة، إن بقي في العمر بقية.

تعليق واحد

  1. Lem3alem

    Rachid raha ghi bghat tkhel3ak bach D7ak m3ak. Kalimat Krasovska raha machi ism russi. rah ma3naha JAMILA . Sa3a nta derti film 🙂

    رد

أضف تعليقاً

عنوان بريدك الالكتروني لن ينشر.