الشعر ليس ما يتكلم عنه الناس وليس ما يريد أن يدركه الناس، الشعر هو “الحقيقة”، في صمت الناس، والباقي كله ترجمات ضعيفة، بحيث يقول، الكاتب البرازيلي، في روايته “عودة البحار”، ” الحقيقة غالبا ما تكون في بئر عميقة وأحيانا البحث عنها يكون بدون جدوى”، فلماذا الشاعر وحده، من دون الناس، يتعقبها، ويحلم بالوصول إليها؟

الشعر، خطاب ما لا يُرى حيث يُرى، والناس تُخاطب بعضها فيما يُرَى حيث لا تَرَى، الشعر لغة واضحة تأتي بالواضح لتُوضِّحه وتستوفي فيه، والناس لا تريد الواضح ولا تعتقد به ولا صبر لها على الواضح ولا على التّوضيح، الشعر يأتي كجواب عن هموم الشك ومدى جدية اليقين، والناس تنفر من الشكّ، عن عجز تفكير وعن قصور رؤيا، وعن غموض نظر، وتستحلي “برودة اليقين”، على حد وصف أبو حامد الغزالي، ولو عن وهم، وعن “اتكالية”، بادعاء “يقين”، لتنام عليه، مطمئنة حتى تسقط، ولا تتعظ ، فـ “طوبى للناعسين، ما أسرع ما يسقطون”، بالتعبير السخري، للشاعر والفيلسوف، فريدريك نتشه.

فإذا كان العلم “بالمعنى الفزيائي” لمارتن هايدغر، هو تاريخ تجارب، ومنطق ودحض وإثبات وتجاوز، والفلسفة، تأملات ورؤية للعالم وأخلاق أسئلة الآن أساسا وتساؤلات المآل أيضا، فإن الشعر، شيء آخر، غير ذاك “العلم” وتلك “الفلسفة”، فالشاعر هو من له القدرة على جمع “المعلومات الدالة”، من مختلف العلوم، ومن مختلف النظريات الفلسفية ومن ما يُوجد من حوله، كان بسيطا في نظر الناس أو كان مُهما، كان مُهملا أو كان مُتجاوزا، إلا واهتمّ به وأثّر فيه، وبات ثقلا، وحملا، ومخاضا في وعيه، حتى يأتي وقت الانقداح أو الوضع او الولادة، لسبب ما، زاد من شدة المخاض ليحدث الانبثاق بـ لا وعي وبلا إرادة، لينساب شعرا، بيتا او شذرة أو قصيدة أو حتى أرجوزة… الشّعر شيء غريب.. !! الشعر مخاض أليم بـ “وضع” بديع يُحير السامعين ويسلب ألباب الصاغين ويشغل عقول القراء والآتين، الشّعر يبقى من الأمد وإلى الأبد شيء غريب.. !!

يُورِد وليام شكسبير في مسرحيته، “حلم ليلة صيف”: “أما الشاعر فهو في نوبات جنونه ينقل بصره من السماء إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء، فتُصوّر له مُخيلته أشكال أشياء غير معروفة أو مألوفة، ويستطيع بقلمه، أن يجسّدها وأن يخلق من لا شيء شيئاً يسميه.”.

في مُؤلفِها، “الفلسفة والشعر”، تقول الكاتبة الإسبانية، ماريا ثامبرانو، ” الشاعر ينسى ما يحاول الفيلسوف أن يتذكره، ودائماً يستحضر في وعيه ما أهمله الفيلسوف إلى الأبد (..)، الشاعر يتناسى – تذكر الوعي-، ويسعى لأن يعثر عليه في كل ما نسيه الفيلسوف”..!!

فلا غرابة أن يكون الشعر، أول خطاب، عرفه الإنسان، أول تعبير عن الفكر، باستعمال المجاز ومختلف ضروب البلاغة، ومن نبعه خرجت الفلسفة إلى الوجود، فكان لهما نفس المجرى ونفس المصب، واستمر هذا التزاوج بين الشعر والفلسفة، وكانت فترة “تصاهر ذهبي” بينهما، خصوصا في بلاد اليونان، واستمرت إلى ما قبل عصر سقراط، إلى أن حدث الطلاق الشهير، بسبب ظهور “الفلسفة العقلانية”، وذلك قبل أزيد من خمسة وعشرين قرنا، لينفصلا عن بعضهما البعض، إثر طرد افلاطون للشعراء من جمهوريته، تحت ذريعة، أن الشعر يستخدم لغة لا عقلانية ويوغل بالأسطورة والخيال، مُمعنا في ذلك ليفقد الشعر قيمته، ويخرص مواقف أرسطو، التي تقول باستغلال الروح للأحلام، لتعبر على ما تريد، و بذلك استُبعد فكره واتباعه ونظرياتهم من أثينا يومها.

وليس غريبا، أن ينقلب اللغوي والشاعر، والفيلسوف، فريديريك نتشه، على أصول الفلسفة اليونانية، في كتابه “مولد التراجيديا”، مما جلب عليه غضب المجمّع الأكاديمي الألماني، الموغل في الاهتمام بالفلسفة الإغريقية، حينها، حيث يشرح لنا نتشه في فصول كتابه، حسب، هشام صالح، في مقالة له، “عندما يرثي نتشه نفسه”، كيف أن الفن “خاضع في الوقت نفسه للتأثير المزدوج لأبولون وديونيسوس، حيث أن تأثير أبولون يدعو إلى التأمل الجمالي لعالم متوهم ومثالي، عالم يأتي فيه جمال الأشكال محرّضاً على الهروب من طريق مبدأ الصيرورة. أما على العكس من هذا، فإن تأثير ديونيسوس، يدفعنا إلى أن نرى في الصيرورة هذه موقفاً تناقضياً: وهذا الموقف يتمثل في الشعور، بحاجة لا تقاوم، إلى الخلق مدعومة بجنون مدمّر». وفي رأي نتشه، فإن هذين التوجهين يتقاطعان مع «غرائز فنية موجودة في الطبيعة نفسها”. ومن تقاطعهما أو تناحرهما، هكذا ولدت “التراجيديا الإغريقية” التي تحمل بذرة مدمّرة، من أصولها عند سقراط. وبذلك اكد نتشه أنه لا يكتب، “للذي كان ولا للذي يكون”، لكنّه “يخاطب من سيأتي من بعده”، فهو “لا يطمع – أنداك- في وجود آذان وأيادٍ لحقائقه”، فمهمّته تكمن في الإعداد لِـ اللّحظة التي تعود فيها الإنسانيّة إلى نفسها، لحظة “الظهيرة العظمى”، حيث تكون الشمس في كبد السّماء باسطة نورها على الكون كلّه، وتكون الإنسانيّة قادرة على النظر بجلاء إلى الوراء (الماضي) وإلى الأمام (المستقبل).

وهكذا بات واضحا حدس نتشه الشاعري، حيث يقول سيغموند فرويد، “إن الشعراء… ينبغي أن نقدر شهادتهم أحسن تقدي، لأنهم يعرفون أشياء بين السماء والأرض لم تتمكن بعد حكمتنا المدرسية من الحلم بها، فهم في معرفة النفس شيوخنا، نحن الناس العاديون، لأنهم يرّتوون من منابع لم يتمكن العلم بعد من بلوغها”، وهذا مارتن هايدغر يقول، قوة نتشه، تأتي من كونه كان رجل حدوس، كان فيلسوفا يتفلسف بـ”خياشيمه”،”philosopher par les narines”، فيلسوف “يتشمّم الآفات” كما يقول؛ فيلسوف يستشعر (شاعر) أمورا كبيرة وهائلة، فيعبّر عنها في صورة حدس أو شذرة، بشكل برقي خاطف، وبسط تلك الشذرة أو بيانها كان يحتاج ردحا طويلا من الزمان، لهذا فكل الفلاسفة الكبار المعاصرين استحضروا نتشه، وضمنهم دولوز في الستينيات، الذي أفرد له البعض من مؤلفاته.
فكلام الشاعر، يجمع ما بين الفن والغاية، والشعر شفاء لعالم غريب عزّ فيه الدَّواء وعزّ فيه الشّفاء.. إنه “كيمياء”، لهذا بقي شأنا غريبا، حيث هو وحده، دون سواه إطلاقا، من له القدرة السرمدية، لاقتفاء غرابة العالم وإماطة الغبار عن الحقائق فيه، حيث تبقى “الحقيقة” مُحتجبة” بفعل الخوف من هولها ومن فُجائيتها الصادمة حسب نتشه، و الحقيقة في الواقع، حسب باشلار، أن الإنسان شخص ضعيف، لا يستطيع أن يعيش في مناخ الشك والارتياب، أربعا وعشرين ساعة على أربع وعشرين ساعة، إنه عندئذ يُجن..؟!

لذلك يبقى الشعراء أصاحب رؤيا، لأنهم كالطيور تحلق بأجنحتها وُسْعَ السماء، حسب الحكيم باشلار، والشعر هو رؤية اللامرئي، وهو محاولة عن طريق لغة، تختلف عما نعرفه من اللغة، لغة تربط الغائب بالزمن (الحاضر)، وتبقى في (الزمن) المستقبل حاضرة حية، لغة توفر امكانيات تتبع شروخ الأجسام الفزيائية للبشر، وتفاعلها فيه، بتوفير الكيمياء، القادر على إعادة الأمل، وبعث الحياة من جديد، في سويداء قلوبها ونفوسها وأرواحها وذواتها، الشعر يبقى “الكيمياء” الخاص والخالص، للظاهر في الإنسان والباطن فيه …؟!

عمر ح الدريسي
drissi-omar1@live.fr

أضف تعليقاً

عنوان بريدك الالكتروني لن ينشر.