كانت تجربة «الرابطة القلمية» فريدة ويتيمة ومميزة، ولم تجد من يطورها وينميها ويدفع بها إلى أن تتحول إلي مشروع فكري و«هوياتي» تساهم من خلاله «الثقافة العربية» بإرثها وتراكماتها في إغناء الحياة الثقافية الأمريكية بصورة واضحة وفاعلة، بل ومؤثرة.

إن الحديث عن واقع المهاجرين العرب في أميركا هو حديث عن واقع متعدد وعن عرب بصيغة التعدد، وعن أميركا بصيغة التعدد أيضا. لكن ثمة تقاطعات تميز الجماعات العربية المهاجرة في أمريكا في عمومها، وإذا لم تكن مطلقة فهي تمثل النمط ”المهيمن“. ولعل المثير حقا هو هيمنة النظرة «النوسطالجيا» على هؤلاء، واختزالهم لمفهوم الهوية في أمرين أساسيين، هما: المسجد، وتنشئة أولادهم على حفظ القران الكريم وتعلم العربية. الأمر الذي نتج عنه تأسيس جمعيات «توعوية» و«وعظية» تجعل من المسجد هو المركز، والمأوى، والملجأ، والهوية، والجغرافية، والرمز.

المساجد وجمعيات «صكوك الغفران»

في أكبر مسجد في بوسطن، الذي كلف أموالا طائلة، الذي يشكل معلمة عمرانية جميلة تليق بحجم الجالية الإسلامية العربية وغير العربية، تفاجأ بدكاكين «إسلامية» فيها أنواع العطور «الإسلامية»! والمنتوجات الصناعية المستوردة من الصين، التي تجسد رموزا للثقافة الإسلامية من آخر صيحات الموضة المعنية بالحجاب وأنواعه إلي «براد الشاي» المغربي مع غياب واضح لمكتبة، وعندما تلج المسجد/المركب تفاجأ بغياب أو تغييب تام للحروف العربية عدا اسم المسجد الذي كتب باللغة العربية في السطر الثاني بعد أن كتب بحروف لاثنية. فتقرأ لافتة صغيرة لمكان الوضوء الخاص بالنساء والآخر الخاص بالرجال ومكان أداء الصلاة والمكاتب كلها بالإنجليزية. وفي زاوية تثيرك «صناديق» مختلفة الأحجام لجمع الصدقات توزع بين صفوف المصلين في الجمعة والأعياد. وفي زاوية من المبنى قاعة/مقصف/مقهى عبارة ناد يجتمع فيه رواد المركز.

ذات يوم أحد، كنت رفقة ابني وزوجتي، التي اضطرت أن ترتدي «الحجاب» كي تحصل على تأشيرة الدخول إلى هذا المركز، صادفنا رجلا ودودا لا يتحدث العربية، وبعد التحية خاطب ابني بالإنجليزية: «هل تريد أن تتعلم اللغة العربية»، أجاب عليه ابني بالعربية. لم يفهم الرجل ما تلفظ به ابني فكرر السؤال، ثم كان الرد نفسه. فقال الرجل (مدير الدروس العربية بالمركز وهو من أصل إثيوبي علي ما أعتقد) «ألا تعرف الإنجليزية؟!!» ثم قال لنا: «انتظروا سوف يأتي السيد الذي ترغبون في لقائه بعد حين». تأخر الرجل عن الموعد بأكثر من نصف ساعة، كانت كافية كي أجول بعيني في كل تفاصيل المبنى وأقف عند الأعطاب.

فقد كنت أبحث عن الثقل الثقافي والحضاري والإسلامي في هذا السياق الذي نعيش فيه، ولم أجده. كانت «الصومعة» هي الأثر الذي يفتخرون به، والحجاب هو المعلمة والهوية، والعبارات «المقولبة» هي اللغة المهيمنة على كل أنواع التواصل بين الجماعات المرتادة على المركز.

بعد اللقاء مع السيد «المسؤول» الذي تحدث معنا عن كل شيء بلغة ضبابية، ووعود وتسويفات، وعن الطموحات والآفاق، وتبادل أرقام الهاتف، أعدت الاتصال به بعد ثلاثة أسابيع فقال لي: «سأتصل بك بعد نصف ساعة»!!! لم تنقض المدة حتى يوم الناس هذا (بعد مرور حولين كاملين)!؟ وعلمت أنه انشق عن هذه «الجمعية» ليؤسس واحدة أخرى وفتح مسجدا يشرف عليه. ثم انشق شخص آخر فأسس جمعية أخري واكترى محلا وحول قاعة منه إلى مسجد للصلاة، وثلاث قاعات أخري لتعليم العربية لأبناء المسلمين.

توالت «الانشقاقات» بين المؤسسين الأوائل وتوالى معها تأسيس جمعيات ومساجد، حتى صارت في منطقة لا تزيد عن بضع أميال خمسة مساجد. لكل مسجد مصلوه يدافعون عنه وعن فقهائه وعلمائه وبرامجه ويبحثون له عن «الدعم» و «الهبات». ويصعب على شخص يؤدي الصلوات في مسجد كذا أن يهاجر إلى مسجد كذا.. فذلك يعتبر «خيانة» وانتصارا لجهة ليست أهلا لتمثيل هوية ودين.

ومن أغرب ما شاهدت، أنني حضرت فطور/عشاء رمضان لإحدى أقوى الجمعيات المسيرة لمسجد، وبعيد الإفطار صعد أحدهم المنصة وقال ما قال، ثم صعدت مجموعة من الصغيرات اللواتي لا يتجاوز عمرهن العشر سنوات وأدين «أناشيد» بسيطة ومكرورة مع ضربات «الدف». وبعد أن انتهين صعد «الرئيس» وقال بالحرف: «آنظروا ماذا نصنع في مؤسستنا..كلهن محجبات والحمد لله! وتعلمن العربية بشكل جيد» وأردف «إن ثمن شراء البناية التي سنقيم فيها المسجد قد كلف ثمانمائة ألف دولار ونيف ولم نلجأ إلى البنك تجنبا للحرام (الريبة) واتفقنا مع صاحب العقار على أن ندفع المبلغ أقساطا على عشر سنوات!!!!!.

بعد ذلك، قدم لنا شاب على أنه نابغة في اللغة العربية وخريج نموذجي للمؤسسة، صعد الشاب المنصة ولم ينطق بكلمة واحدة بالعربية!؟ وتتوج الحفل/الفطور ب «جمع التبرعات». افتتح الرجل الآتي من ولاية أخرى بعيدة لهذا الغرض (وهو محترف في جمع التبرعات) العملية بكل النصوص التي تكافئ في الجنة، وبدأ بالقول «من يتبرع بعشرة آلاف دولار (١٠٠٠٠دولار)» ثم نزل إلى خمسة آلاف ثم نصفها، وبلغة تغيب فيها اللباقة والحشمة والوقار… كانت لغة البيع والشراء الجافة. وانتهى بعبارة هي كالتالي «إذا لم يكن لديكم الآن مال فيمكنكم أن تعطونا فقط رقم بطاقة الائتمان كريدي كارط . وللعلم فذه البطاقة مبنية من أساسها إلي آخرها على الربا!!!!؟؟؟

حين سألت أحدهم عن «بطاقة الائتمان» وكيف نبرر الهروب من الحرام باستعمال المال الحرام، رد: «عليك أن تعلم أنك إذا أديت المبلغ قبل ثلاثين يوما فإنك لن تؤدي أي مبالغ ربوية»، قلت له مندهشا: «ولماذا يلجأ الناس إلى طلب هذه البطائق أصلا، مادام أنها تدخل في مجال الحرام والربا، خصوصا أنه لا أحد يلزمهم»! قال بجحود: «العلماء أحلوا هذا، وما دمنا في هذا الالبلد فإنه يفرض علينا أن نتعامل بها»!!

قالت لي سيدة بألم وحرقة «لم أعد أرتاد مسجدا ولا جمعية، لقد أرهقونا واستنزفونا.. كلما ذهبت لأداء الصلاة قالوا لنا «لدينا مشاكل مالية ينبغي أن تساهموا في بيت الله»!

تعليق واحد

أضف تعليقاً

عنوان بريدك الالكتروني لن ينشر.