“كل ما حولنا وما فينا يشير الى الحزن والغضب معاً..”، قلق عميق، لشاعر، اسمه محمود درويش.. ؟!

للشعراء أساليب، يصعب على كل متمكني الاجتراح البلاغي، وحصيفي البلاغة، وبلاغيِّي علوم البلاغة والعارفين بفجاج اللغة وانحناءات تلاوين أوجه عمق الدلالة والمتسلحين حتما، بمشارب العلوم الخاصة منها والعامة، أن لا توهمهم سنن الطبيعة وتستقوي على مداركهم، حيث اشتغالاتها اليومية، حثيثا، فتتوالى العصور والحقب والفصول، ويغطي العشب جميع الحُفر وما تركته الحروب والارتجاجات من ندوب في جسد الأرض، فينسيهم اشتغالهم بالآني العاصف، كيف أُخِذَ الحب إلى الجنة، وطُرِدَ الإنسان منها، إلى حين ، ويبقى التاريخ أيضا ممارسا لهوايته المفضلة، بالسخرية من كل اختصاصيي العلوم ومثقفي الحياة، يخلط الأوراق، بتعرية بعضها أو بتمزيق البعض الآخر أو بكتاباتها من جديد، تارة بدنانير فلان وتارة تحت سيوف ورماح ورصاص علان، إلا الشاعر، إذْ “غبار القلب، غبار القصيدة”، الذي يمكن له ان يرتقي بصراع جزئي، على أهميته الإنسانية، وجُرحه العائم الغارق في وجدان كل من تأذي منه، إلى مجاز كوني، يفضح عقلية التّجبر وإرادات الظلم، وينضح بأحلام الإنسان وقيمه في الحرية والعدالة والكرامة والمساواة والأمن والسلام. درويش، يوجز مُفصلا:

“أنا آخر الشعراء الذين
يؤرقهم ما يؤرق أعداءهم:
ربما كانت الأرض ضيقة
على الناس،
والآلهة
هنا تتجمع فينا تواريخ حمراء،
سوداء. لولا الخطايا لكان الكتاب
المقدس أصغر. لولا السراب لكانت
خطى الأنبياء على الرمل أقوى، وكان
الطريق إلى الله أقصر.. !! ”

وعلى هذا الأساس تصبح “الكتابة هدم لكل صوت، ولكل أصل، هي هذا الحياد، وهذا الانحراف الذي تهرب فيه ذواتنا، هي السواد والبياض الذي تتيه فيه كل هوية بدءاً بهوية الجسد الذي يكتب”، حسب رولان بارث، ودرويش يقول:

” قال لي كاتب ساخر:
لو عرفت النهاية، منذ البداية،
لم يبق لي عمل في اللغة
كل موت،
وإن كان منتظراً،
هو أول موت
فكيف أرى
قمراً
نائماً تحت كل حجر؟”.

فالشاعر وحده، حيث لا يؤنسه في الطريق الشاق، بوخز سهام القلق، سوى من تأمل بالسؤال البسيط والعميق معا، حول اليومي والآن، عن الغد وما بعد الغد، انطلاقا من الأمس وحتى ما قبل – قبل الأمس، يقول درويش: “الضحية مثل الحقيقة نسبية (..)، لكن “الحقيقة” “مُفجعة”، حسب فردريك نتشه، يضيف درويش:
“لم يسألوا: ماذا وراء الموت؟ كانوا
يَحفظُون خريطةَ الفردوس أكثرَ من
كتاب الأرض, يُشْغِلُهُمْ سؤال آخر:
ماذا سنفعل قبل هذا الموت؟”

يُسْأل درويش، ” تسألني: ما الذي تودّ أن تكتبه؟ فأقول لك: لا أعرف. إن رحلتي، هي الى المجهول الشعري بحثاً عن قصيدة ذات قدرة على أن تخترق زمنها التاريخي وتحقق شرط حياتها في زمن آخر. هذا ما أسعى إليه، ولكن كيف أعرّف بهذه المسألة؟ هنا أيضاً لا جواب نظرياً ولا فكرياً. الجواب هو جواب إبداعي.”.

-1- القارئ يرى المولود ولا يعرف ما هو المخاض.

عاش محمود درويش بعيدا عن أمه السيدة “حورية”، وأخيه، وأهل القرية ثم أهل البلد وشعب فلسطين عامة المشتت عن أرضه، وهذا ما جعل محمود درويش يواجه واقعا، ربما لم يكن يتخيله، وأجبره على العيش بعيدا عن العيشة العادية لأي مواطن في بلده، فعاش بسبب ما فرضه الاحتلال، ظروفا قاسية، واصبح كأمثاله من الشعب الفلسطيني، وكمثل أي إنسان عبر التاريخ وعبر العالم، تتعرض أرضه وبلاده للاغتصاب، فكان بحق رمزا إنسانيا، عبّر عن “الضحية”، ضحية التحولات التاريخية الموجعة الكبرى، التي تفرض واقعا، ولا كان يوما بالحسبان، واقع هو من يصنع المصائر الفردية، بطريقة لا تنسجم بالضرورة مع ما يُراد في الأحوال العادية. فكيف تغيرت أحول حياة الطفل محمود درويش، ابن السابعة من عمره، عام 1948، وإلى الأبد؟؟

-2- الحاضر الغائب منذ عام 1948.

يقول محمود درويش، “ولدت في قرية تدعى “البروة”، ثم انتقلنا كعائلة الى لبنان خلال حرب 1948. شُرّدنا وهُجّرنا. اضطررنا إلى الهروب مع أهل القرية الى شمال فلسطين، ثم إلى لبنان، وأول قرية لبنانية أتذكرها هي “رميش” (..)، كنت في السادسة من عمري.. خرجنا من القرى.. إلى أن اكتشفنا أن قريتنا البروة، لم تعد موجودة. فالعودة الى مكان الولادة لم يتحقق. عشنا لاجئين في قرية أخرى اسمها دير الأسد في الشمال. كنا نسمى لاجئين ووجدنا صعوبة بالغة في الحصول على بطاقات إقامة، لأننا دخلنا في طريقة غير شرعية، فعندما أجري تسجيل السكان كنا غائبين. وكانت صفتنا: “الحاضرون – الغائبون”، أي اننا حاضرون جسدياً ولكن بلا أوراق. صودرت أراضينا وعشنا لاجئين.”، يقول:
“لو أَن ذاك الـمكان الزراعيَّ لـم ينكسر/ رُبَّما صرتُ زيتونة
أو مُعَلِّم جغرافيا/ أو خبيراً بمملكة النمل/ أو حارساً للصدى !”
“ولستُ سوى رمية النرد / ما بين مُفْتَرِسٍ وفريسةْ
ربحت مزيداً من الصحو/ لا لأكون سعيداً بليلتيَ الـمقمرةْ
بل لكي أَشهد الـمجزرةْ..”. !!

-3- ميـلاد شـاعر.

على كرسي في الصف الأخير، داخل الفصل الدراسي في المرحلة الابتدائية، قرأ “قصيدة”، بمناسبة حفل “قيام الدولة”، مطالبا بالعدل والـمساواة. “في اليوم التالي استدعاه الحاكم العسكري، وصفعه على وجهه، وهدده بحرمان والده من العمل”. الحادث هذا، لم يمر مر الكرام، بل بقي كجرح يفور، لا يعرف خمودا، بل طُمِرَ كأنه بركان، لتندلق من فوهاته المتعدد، حمم شعرية، على حسب الفصول والأجواء. ويضيف: “بدأت علاقتي بالشعر عن طريق علاقتي مع المغنّين الفلاحين، المنفيين من قبل الشرطة. كانوا يقولون أشياء غريبة على درجة من الجمال، بحيث أنني لم أكن أفهمها، ولكني كنت أشعر بها (…) وهكذا وجدت نفسي قريباً من أصوات الشعراء الجوّالين المغنّين، وفيما بعد أخذت أستمع إلى الشعر العربي الكلاسيكي الذي يروي مغامرات عنترة وسواه من الفرسان، فاجتذبني هذا العالم وصرت أقلّد تلك الأصوات، وأخترع لنفسي خيولاً وفتيات، وأحلم في سنّ مبكرة أن أتحوّل إلى شاعر (…) وقد مررت بتجربة مبكرة علمّتني أنّ ما أفعله، وما ألعبه، هو أخطر بكثير مما أتصوّر. فهمت أنّ الشعر حكاية أكثر جدّية مما كنت أعتقد، وكان عليّ أن أختار بين أن أواصل هذه اللعبة الأكثر جدّية مما أتصوّر، أو أن أتوقف عنها. وهكذا علّمني الاضطهاد، بأنّ الشعر قد يكون سلاحا؟ !!

-4- بينَ الممكن واللاممكن، تقبع المصادفة ويقبعُ الواقعي.

تتكاثف الأسئلة، وتتكاثر لدى الشاعر، تحيط به الأشياء ويحيط بها، يأتي إلى الوجود، ويستفسر الطبيعة، الأرض والبحر والآخر الذي يشبهني، ويستقرئ التاريخ بعمق وبجهد ثقافي وترميزي عميق الدلالة، ويقول، لماذا الآخر لا يريد أن أشبهه وأنا أشبهه؟
هنا يقع الممكن أمام اللاممكن، وتقبع المصادفة بكل تناقضاتها حيث يُعاش الواقع تحت صراع “الأضداد”:
“قَرَأتَ حكايتَنَا كُلَّها:
وُلِدْنا هُنا بَيْنَ ماءٍ وَنارٍ ..
ونُولَدُ ثانيَة في الْغُيومْ على حافُة السّاحِلِ اللأَزَوَرْدِيِّ بَعْدَ الْقيامَةِ ..
عَمَّا قَليلْ فلا تَقْتُلِ الْعُشْبَ أكْثَرَ، للْعُشْبِ روحٌ يُدافِعُ فينا عَنِ الرّوحِ في الأَرْضِ/
يا سَيِّدَ الخْيَلِ! عَلِّمْ حِصانَكَ أَنْ يَعْتَذِرْ
لِروحِ الطَّبيعَةِ عَمَّا صَنَعْتَ بِأَشْجارِنا :
آه ! يا أُخْتِيَ الشَّجرةْ
لَقَدْ عَذَّبوك كَما عَذَّبُوني
فلا تطلبي المْغَْفرَةْ
لحطَّابِ أُمي وأُمكْ
..(….)
… لَنْ يَفْهَمَ السَّيِّدُ الأَبْيَضُ الْكَلماتِ الْعتيقَةْ هُنا، في النُّفوسِ الطَّليقَة بَيْنَ السَّماءِ وَبَيْنَ الشَّجَر.. .”.

-5- من يكتب الحكاية يرث أٍرضها.

النضال مرحلة، والهوية الإنسانية أسبق من الهوية الوطنية، والمرأة إنسان، والوردة جمال، والأسطورة والتعبير الشعري الشفهي، والموروث ومُخلَّفات الشعراء الأسلاف، كلها أشياء تتفاعل في الكتابة وفي الحكاية، لتعطي نصا قد يكون نثرا وقد يكون شعرا، لكنه يكتب شيئا سيحكى في المستقبل الذي ينتقل للماضي، لأن الماضي لا يمكنه ان يأخذ من المستقبل إلا زمن الحكي والحكاية عنه، يقول:
“سيلسعُني وَرْدُ آذارَ حيثُ وُلدتُ
لأوّل مَرّةٍ.
ستحملُ بي زهرةُ الجُلَّنار وأُولَدُ منها
لآخر مَرَّةٍ.
فأنا من هُنا وأَنا من هُناك
ولستُ هُناك ولستُ هُنا.”.

-5- الطريق إلى الحب طريقا طويلا.
يقول محمود درويش : “كل ما أكتبه في الحب أم في سواه، ناجم عن تجارب حية.”، “أتمنى أن أكون شاعر حب أو أتمنى أن تسمح لي ظروفي التاريخية في أن أكون شاعر حب، لأن شعر الحب هو أجمل ما يمكن أن يكتب من شعر. والحب لا ينتهي”. فربما تلك الظروف التي لم تسمح له، هي ما جعله يُقر، بفشله في الحب كثيرا، “أحب أن أقع في الحب، السمكة علامة برجي (الحوت)، عواطفي متقلبة، حين ينتهي الحب، أدرك أنه لم يكن حباً، الحب لا بد أن يعاش، لا أن يُتذكر”:
“هِي: هَل عرفتَ الحب يَوماً؟
هُو: عِندما يأتي الشِّتاء يمسني
شغٌف بشئٍ غائبٍ، أضفي عليهِ
الاسمَ أيَّ اسم، وَأنسى …
هِي: ماِ الذي تنساه؟ قلْ!
هُو: رِعشةُ الحمَّى، ومِا أهذي بهِ
تَحتَ الشَراشفِ حينَ أَشهقُ: دثرني
دثِّريني!
هِي: ليس حُباً ما تقولُ
هُو: ليس حباً ما أقولُ
هِي: هل شعرتَ برغبةٍ في أن تعيشَ
الموت في حضنِ امرأةْ؟”

-6- الشعر اقتسام للجمال العمومي.
الصيغة الوحيدة للتعمق بالجمال هو التأمل بشعور إنسان، وآليات عالم، وحذق عارف ولو باللحظة العابرة، لتقتنص منها مصلا جماليا، ربما أوهن، أو أخمد ما يؤرقك، بالأكثر دهشة فيما أنت أمامه أو تعيشه باللحظة، هو الخيط الزئبقي الصعب، بل المُحال على القبض، ربما إلا على شاعر، حيث له ما ليس لغيره إطلاقا:
“سأصير يوماً ما أريد.. سأصير يوماً طائراً، وأسلّ من عدمي – وجودي.. كلّما احترق الجناحان اقتربت من الحقيقة، وانبعثت من الرماد.. أنا حوار الحالمين، عزفت عن جسدي وعن نفسي لأكمل رحلتي الأولى إلى المعنى، فأحرقني وغاب.. أنا الغياب.. أنا السماويّ الطريد.. !! ”

-7- سؤال الموت في الحياة وسؤال ما بعد الحياة.
لابد لأي إنسان مثل درويش، تعرض لما تعرض له، من فقد الأرض، والأهل، والوطن، وبقي باللجوء، والهجرة، وأثناءها، تعرض لمرض القلب الذي ذاق به الـ “حقيقة” أكثر من أي شيء آخر بحايته، “حقيقة الموت/ الحياة، أو حقيقة العدم/ الوجود”، لابد وأن تكون له أسئلة كبرى، بالنظر إلى كل زاده الثقافي وتجربته المعرفية وكونه شاعرا، أن يستحضر المآل، عن الـ “أين” والمصير، الحياة وما بعد الحياة، هي أسئلة وجودية، لكن لدى درويش الشاعر عكس الفيلسوف، يتخذ بناءا معرفيا سرديا مونولوغيا عميقا جدا يطرح المتضادات والمتآلفات والمتناقضات، كل هذا ربما لأنه عرف بحياته كـ “شخص”، الموت لفترتين، كـ “حقيقة”، حين تعرض لعمليتين على قلبه، لينقل لنا الحقيقة بصورة لا تقبل إلا التأمل والتأمل أكثر عبر لغة راقية بألفاظ ودلالات غاية في الرّتق والصياغة:
“.. ويا مَوْتُ انتظرْ، ياموتُ،
حتى أستعيدَ صفاءَ ذِهْني في الربيع
وصحّتي، لتكون صيَّاداً شريفاً لا
يَصيدُ الظَّبْيَ قرب النبع . فلتكنِ العلاقةُ
بيننا وُدّيَّةً وصريحةً: لَكَ أنَتَ
مالَكَ من حياتي حين أَملأُها ..
ولي منك التأمُّلُ في الكواكب :
لم يَمُتْ أَحَدٌ تماماً ، تلك أَرواحٌ
تغيِّر شَكْلَها ومُقَامَها”
… !!

خـاتـمة

إذا كان الشاعر محمود درويش يقول، حبا في الشعر، “لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي”، فإن الكاتب الروسي دوستويفسكي، في روايته الشياطين، يقول: ” هل تعلمون أن الإنسانية تستطيع جداً أن تستغني عن الخبز وعن العلم، ولكنها لا تستطيع أن تستغني عن الجمال؟ إن الجمال وحده لا غنى لها عنه، إذ بدون الجمال لا يبقى لنا على وجه الأرض ما نعمله ! هذا هو السر كله ! ذلكم هو كل التاريخ ! العلم نفسه لا يمكن أن يعيش لحظة بعد زوال الجمال. ! “.. !!

عمر ح الدريسي
drissi-omar1@live.fr

أضف تعليقاً

عنوان بريدك الالكتروني لن ينشر.